الشيخ محمد هادي معرفة
237
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
في إطار محدود وعلى شريطة أن لا يزاولوها على جهة الفساد في الأرض ، وإلّا فيؤخذ منهم فور إرادة السوء . نظير ما قيل بشأن « بلعام بنباعورا » . قيل : كان رجلًا صالحا من قوم موسى ، وقد منحه اللّه استجابة دعائه ، فحاول تقرّبا إلى بعض الأُمراء أن يدعو على قوم مؤمنين ، فسلبه اللّه المنحة وظلّ خاسرا دينه ودنياه . قيل : والآية التالية ناظرة إلى هذا الحادث : « وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ . وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ » . « 1 » أمّا العامل بالشرط ولم يتجاوز حدوده المضروبة فستدوم له منحته ما دام باقيا على عهده ، أو يُسلم فتدّخر له مثوبته في الدار العقبى مثوبة باقية . روي أنّ شيخا من الأكابر رأى في طريقه لمّة مجتمعة حول رجل فسأل عنه ، قيل له : إنّه يعلم الغيب . فأتاه وسأله عن شيء أخفاه في كفّه فأخبره به . فسأله الشيخ عن أيّ ارتياضٍ بلغت هذا المقام ؟ قال : بمخالفة النفس ، لقد دأبتُ أن أخالف كلّ ما تشتهيه نفسي وتهواه . قال له الشيخ : هذا عمل جسيم ، ولكن هل عرضت على نفسك الإسلام ؟ - وكان الرجل من براهمة الهند - قال : لا . قال له الشيخ : أعرضه على نفسك ثم انظر هل توافقك عليه أم تخالفك ؟ فعرض الرجل الإسلام على نفسه وأبدى أنّ نفسه ترفضه ! فقال له الشيخ : إذن خالِف هوى نفسك ، على دأبك القديم ! فقبِل الرجل واعتنق الإسلام . وعندئذٍ سأله الشيخ عن شيء أخفاه في كفّه ، فلم يستطع الرجل أن يخبر عنه وزال عنه علمه بالغيب وتعجّب الرجل من ذلك ! قال له الشيخ : لا تعجب ، إنّك كنت على أمرٍ عظيم ، وحيث لم يكن لك نصيب في العقبى جازاك اللّه بطرفٍ من عنايته عليك في هذه الحياة . فلمّا أسلمتَ ادّخر اللّه لك ذلك مثوبةً عُظمى في الآخرة . ولبراهمة الهند المرتاضين قضايا عجيبة وتصرّفات خارقة تعود إلى مقدرتهم النفسية الفائقة ، الحاصلة على أثر ترك الملاذّ وتحمّل المشاقّ ، فمُنحوا شيئا من إمكان التصرّفات الخارقة مقتنعين بذلك تمام الاقتناع ، حيث لاخلاق لهم في الآخرة .
--> ( 1 ) - راجع : جامع البيان ، ج 9 ، ص 82 - 84 والآية 175 و 176 من سورة الأعراف .